Saturday, January 23, 2021

د. محمد سمير عبد السلام - تجدد الحضور في فعل التأمل - قراءة لقصة مقعد على بحر النيل للروائية المصرية صفاء عبد المنعم

  تجدد الحضور في فعل التأمل - قراءة لقصة مقعد على بحر النيل للروائية المصرية صفاء عبد المنعم 

د. محمد سمير عبد السلام - مصر

                                                

تجمع القاصة والروائية المبدعة صفاء عبد المنعم بين الملامح الجمالية المميزة لفن القصة القصيرة، وبعض الثيمات الفنية التجريبية التي تتعلق باستبطان العالم الداخلي للشخصية الرئيسية، أو تخييل الانفعالات في الوعي المبدع، أو تأويل الوجود في لحظات نسبية، والانحياز لصور استقلالية المرأة وحضورها الفردي في الوعي واللاوعي، وكذلك التعزيز من أحلام اليقظة التي ترتكز على شعرية الماء ضمن التأملات الشاردة للذات الأنثوية طبقا لتعبير باشلار، وحديثه عن طاقة الأنيما الانثوية في كتابه شاعرية أحلام اليقظة؛ وتبدو هذه الثيمات واضحة في قصة صفاء عبد المنعم المعنونة ب مقعد على بحر النيل؛ وقد نشرت على موقع ذاكرة القصة القصيرة.

تقوم بنية القصة على تتبع الساردة لانفعالات الشخصية، وتطور هذه الانفعالات في لحظة الحضور؛ ومن ثم فهي ليست قصة استرجاعية للماضي – بدرجة رئيسية – وإنما هي ترصد الانفعالات المتداخلة، والتي تتناقض أحيانا بين البهجة، ورومنتيكية الاتصال بالطبيعة، والحزن، والصمت أحيانا؛ وقد نجد الساردة ترصد هذه الانفعالات الذاتية المتناقضة، دون هيمنة، وقد تقوم بتخييل هذه الانفعالات – في النهاية – بصورة سردية أدائية، أو حوارية؛ وهو ما يعكس التجريب في عرضها لتفاصيل لحظة الحضور ضمن خطابها السردي للمروي عليه.

وترصد القصة حدث التأمل من أجل الخلاص الروحي؛ وهو ما يؤكد تصور فرانك أوكنور للقصة القصيرة بوصفها نوعا من الخلاص لبعض المجموعات الخاصة التي تبحث عن حالة التفرد في كتابه الصوت المنفرد الذي ترجمه الدكتور محمود الربيعي؛ ومن ثم سنعاين ذلك البحث عن الخلاص عن طريق الإسهاب في عرض التأملات الأنثوية للبطلة، وحوارها الصامت مع المشهد الطبيعي؛ وبخاصة الأمواج، وبعض الأحاديث العابرة التي تعكس نوعا آخر من التفرد النسائي في الحياة اليومية.

ويمكننا أيضا ملاحظة المبدأ الحواري في السرد طبقا لتودوروف؛ وإن جاء هنا من داخل حوارية شعرية صامتة تبدأ وتنتهي في ذات الساردة، ولكنها أيضا تؤكد تعددية الأجيال في حرص الساردة على تسجيل خطاب الفتيات كما هو، وباللغة اليومية البسيطة نفسها التي تعكس اهتمام هذا الجيل بالتصوير، واستخدام مواقع التواصل بصورة متناقضة أحيانا.

وتتكشف لحظة التنوير في إمكانية تكرار حدثي التأمل، والعودة إلى المنزل بصورة دورية؛ لتوحي بأن حدث التأمل الداخلي يوازي إيقاع واقع الساردة ووجودها الفردي، وروحها الأنثوية.

                                                  

                                                     د. محمد سمير عبد السلام – مصر

                                                           



                                                                       ناقد أدبي وفني 

*رابط المقال على موقع صدى ذاكرة القصة المصرية:

 https://sadazakera.wordpress.com/tag/%D8%B5%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B9%D9%85


د. محمد سمير عبد السلام - الصورة كمصدر للإنتاجية الإبداعية - قراءة لمجموعة مضارب الأهواء لإدوار الخراط

 الصورة كمصدر للإنتاجية الإبداعية - قراءة لمجموعة مضارب الأهواء لإدوار الخراط 

                                                        د. محمد سمير عبد السلام - مصر

 

للصورة إيقاع وجودي مؤثر في واقع النص عند إدوار الخراط؛ إذ إنها تقع في قلب الحدث الواقعي أو التاريخي، وتنحرف به عن أصله . إن وجود الشخصيات، والأماكن، والراوي نفسه – في مضارب الأهواء ، وقد صدرت عن دار البستاني للنشر بالقاهرة سنة – لا ينفصل عن طرائق تكوين الصور، واختفائها الشبحي المفاجئ، والمراوغ؛ ومن ثم المؤثر في التاريخ كجزء من بناء السرد وتحولاته؛ فهل كانت تجليات الواقع – في النص - أحد انحرافات ثقافة الصور التي كانت تقع على هامشه على طول تاريخ القص؟

إن كتابة الخراط تستبق السرد بالكشف عن طرائق تكوينه في الشعر، والتأويل، وامتلاك القدرة على النحت، والعزف الموسيقي ضمن إيحاءات المادة التصويرية؛ فالانحراف – في بنية السرد عند الخراط – يشير إلى التأثير في مادة الوقائع الصغيرة، وتأويلها جماليا في سياق تتابعها مع الصور، والأطياف المولدة عن أخيلة النص؛ وبهذا الصدد يشير ريجيس دوبري – في كتابه حياة الصورة وموتها – إلى أن الحياة الإبداعية الحقيقية تكون في الصورة التخيلية، لا في الجسم الواقعي؛ فالأقنعة الجنائزية في روما، أو التماثيل القوطية لها وضعية أجسام مبعوثة، أو تستنشق نفس الأشخاص الهالكين؛ أما الموت فهو حضور اللامرئي بفرضه الصمت على الرائي. (راجع، ريجيس دوبري، حياة الصورة وموتها، ترجمة: فريد الزاهي، دار أفريقيا الشرق بالمغرب ص 20 و 21) وسنلاحظ أن الصورة لا تقع خارج مخيلة الرائي عند دوبري.

هكذا يحفز نص الخراط كلا من الوقائع، ووعي المتلقي؛ لإثراء الهوية، وتكوين نشاط وجودي تصويري لا ينفصل عن النص.

تحيا صور الحضارة المصرية القديمة كعلامات تاريخية تقاوم الماضي، وتهبه حياة نصية جديدة في آن في قصة تراكيب على الهامش؛ وكأن صيرورة السرد الممتدة في واقعنا – بوصفه مادة حية للقصة – تنبع من انحراف التكوين الحجري / المكاني عن إطاره؛ ليعيد تمثيل الوجود في فضاء إبداعي متحول. صورة الصقر القديمة تستقطب أخيلة النجوم كأنها تنشد حضورها أو انعكاسها الآخر في الحجر؛ وقد يتجلى الهرم في صورة تجريبية تجمع بين التاريخ، وقراءاته التأويلية التصويرية في فعل الكتابة، وفي وعي الراوي الذي لا يبدو مركزيا ، ولا يهيمن على جماليات التكوين؛ فقد يأتي كأثر جمالي لتأويلاته التي أعيد تشكيلها بواسطة وجود نصي بكر للصورة؛ إنه يعاين درجات تجسده الروحي في التكوين الذي يقاوم الموت، ويجسده في آن.

إن المومياء التي تعود – في مانشيتات الصحف – تمثل تعاقبا فريدا بين الأثر، وبنية الواقع؛ فبروز الأعمدة القديمة قد اختلط بفجوات الأحمر، والأبيض في الجريدة؛ وكأن علامة الجريدة تستحضر بكارة الحدث القديم، أو وهج السيرة الأولى للملك بيبي الأول؛ فالمومياء هي الصورة النشطة الأخرى لوجود الملك في وعي الراوي الذي تحول إلى جماليات التشكيل، وأثره في المخيلة.

ويبدو الانتقال واضحا من الخطاب السردي إلى الأداء الإبداعي ما بعد الحداثي في قصة حتة حلاوة طحينية؛ فالبطل يعيد اكتشاف جسده من خلال تأثير الصورة الافتراضية على إدراكه؛ فرغبته في الجنس الآخر تكمن في صور أغلفة المجلات؛ ومن ثم تصير الصورة موضوعا للهو، وويمتد ذلك الإحساس المفرط بالصورة إلى تمثيلات أخرى لعلامات الروائح، وبعض الأطعمة؛ وكأن الرغبة تنقل نفسها في مرايا، وانعكاسات قد تطورت – في المتوالية السردية – إلى امتزاج الرغبة، بطعم الحلاوة، وصراعه مع البقال الذي بدا غريزيا، وذكره بصور لمقاومة الدراويش، وتهديد جوردون باشا؛ وكأنها مازالت تطل من الدم النازف في بنية الحضور.

وقد تنفصل الشجرة عن سياقها الثقافي – في موسم شم النسيم – وتمتد كظاهرة تشكيلية، تخطلط بوعي الرائي، وتتداخل – في مستوى الفضاء – بصورة معبد الرمسيوم؛ فهل كانت مثل أثر جمالي، يتصل بالماضي مثل متحف مالرو الخيالي؟ أم أنها تمثيل ظاهراتي للأمومة في الوعي المبدع؟

أما الشجرات الأخرى الكثيفة حولها فقد بدت ممثلة لوجود تصويري آخر بديل، أو كتشكيل علاماتي لنوع آخر من الخصوبة، تقاوم النموذج التقليدي للخصوبة في اللاوعي الجمعي؛ فقد امتزجت بصورة الفتاة التي نبعت من رغبات الهو اللاواعية طبقا لفرويد، بينما اختلطت الشجرة أيضا بصورة الكلب على النقوش القديمة؛ وكأنها استدعت لعب الطواطم والصور في المشهد القصصي الذي يسعى للأصالة الحضارية، وإغواء الصورة في آن.

ويومئ السارد – في قصة النحات والصحفية – إلى الشقاق بين ليلى وتمثالها الذي ينطوي على نموذج الأنوثة القديم في وعيه، ولاوعيه؛ وكأن التمثال يشير إلى نقطة بدء أخرى لوجود ليلى، وتشبيهاته، أو علاماته التشكيلية التي تنبع من التباس الحضور بتشبيهاته، وبتشكيلات الماضي الحضاري كما هو في  اتصال الصورة بالحياة الإبداعية ، وعبورها للأزمنة والفضاءات في كتابة الخراط السردية جميعها.

                                                        د. محمد سمير عبد السلام – مصر

                                                               ناقد أدبي وفني

*نشر المقال بصورته الأولى بجريدة أخبار الأدب عقب صدور المجموعة  سنة 2003




د. محمد سمير عبد السلام - الواقع وفانتازيا الرعب في رواية روح غاضبة للروائي المصري أحمد حسن

 الواقع وفانتازيا الرعب في رواية روح غاضبة للروائي المصري أحمد حسن

                                                         د. محمد سمير عبد السلام - مصر

 

"روح غاضبة" رواية حديثة للروائي المصري المبدع أحمد حسن؛ صدرت عن دار النسيم للنشر بالقاهرة، ويجمع الروائي أحمد حسن – في نصه – بين المغامرة الواقعية التي تتسم بالتشويق في تتابع الوظائف السردية، واتحادها الجمالي الوثيق بالبعد النفسي للبطل، وفانتازيا الرعب؛ وتجليها في نموذج الشبح الذي يقع بين الداخل، والخارج في صيرورة القص؛ فالسارد يشير إليه بينما نعاين حضوره الأدبي – بصورة أوضح – في عالم البطل / المؤلف الداخلي؛ ومن ثم تتعدد الرؤى التأويلية للعلامة طبقا لعلاقتها بالواقع، والتحول الداخلي للشخصية، ونماذج ما وراء الواقع معا.

وابتداء من عتبة العنوان / روح غاضبة، يشير السارد إلى لحظة بزوغ متجدد للطيف، ويعلق أحادية مثل هذا الظهور في آن؛ وهو ما يسمح بتعددية الرؤى حول فاعلية الطيف الخفية، أو مساءلة وجوده، وطبيعته؛ ومن ثم مساءلة المفاهيم المركزية للموت، والحياة، والواقع، وما وراء الواقع.

ويفتتح السارد نصه بنص أو بعتبة استهلالية من نص روائي كتبه البطل فريد حول حادث تموت فيه العروس / سارة، ثم يولد شبحها الآخر في وعي، ولاوعي البطل، وتتنامى متوالية العلاقة بين فريد، وشبح سارة / الشخصية النصية حتى يتحد - في موته - بها، ويصير شبحا آخر في وعي المؤلف الذي يحيل إلى نصه الروائي؛ وهو ملمح انعكاسي في الكتابة التي تتجاوز السرد الروائي أو Metafiction ؛ فالبطل يولد في سياق انعكاس ذاتي للنص في عالم المؤلف الواقعي الممزوج بالصورة المتكررة التي تقاوم الموت المطلق بشكل متواتر؛ وهو ما يسمح لفانتازيا الرعب بالتحقق في النص السردي، وتفكيك البنى اليومية المتواترة، ومركزية البدايات، والنهايات أيضا؛ وكأن تلك الصور الطيفية الافتراصية تطرح التساؤل المستمر حول زمن انتهاء القصة، أو الحدث، أو مدلول الواقع الذي يتصل بالنماذج البدائية عن طريق ثراء الوعي، وعالم الشخصية الداخلي.

ويمكننا تأويل حدث تجدد حياة الصورة الطيفية ومغامراتها الممزوجة بالرعب – في الرواية – وفق أربع مسارات متباينة؛ هي:

 

أولا: التحول، ومقاومة النهايات في القص:

ثمة ملمح نيتشوي – في روح غاضبة – يتعلق بصيرورة السرد، وتحولاته من الموت الافتراضي إلى الولادة الشبحية المتكررة التي تقع بين النص، والواقع، ثم تأكيد الحضور التشبيهي الملتبس بين النص والواقع في النهاية؛ وكأن السارد يوجه خطابا للمروي عليه يتجاوز مركزية النهايات، والمفاهيم الكلية المسبقة.

ويرى فريدريك نيتشه أن الصيرورة هي لعبة للفنان، أو الطفل، وهي تشبه لعبة النار في براءتها، وأبديتها؛ إذ تكدس – مثل الطفل – أكواما من الرمل، ثم تهدمها، وينبع التكرار هنا من غريزة اللعب التي تحيي عوالم جديدة.

(راجع، نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ت: د. سهيل النقش، المؤسسة الجامعية ببيروت، ط2، 1983، ص 61، 62).

إن النص الروائي يقوم هنا على مغامرة تجمع بين التكرار، والاختلاف فيما يشبه الصيرورة من جهة، والانعكاس الذاتي والإحالة إلى عالم الراوي نفسه من جهة أخرى؛ وهو ما يؤكد نفي النهايات الحاسمة باتجاه نوع من التحول الملتبس بين الواقع، والفانتازيا؛ ففي البداية تموت سارة جماليا في نص فريد، ثم يولد الشبح بصورة خفية، ثم يراوح بين الظهور، والغياب، ثم تنفك مركزيته في وجهات نظر الأصوات الأخرى في النص مثل فايزة، والطبيب، وأماني، ثم تتدرج الصورة في احتلال وعي فريد ختى تدفع به إلى ارتكاب حادث تكراري؛ ليولد هو من جديد كصورة تتحدث إلى السارد؛ ومثلما راوح السرد بين الظهور، والغياب، والموت، والولادة؛ فقد راوح بين الواقع، وفانتازيا الرعب، والصور النصية الوليدة المتجددة التي تقع بين الواقع، وما وراء الواقع، ثم تعزز من التشبيه وفق تعبير بودريار؛ وهو هنا يتجلى كصورة تسبق الحقيقي؛ فقد ولد المؤلف / البطل / الآخر من خلال تداعيات نص جمالي كان قد كتبه في البداية، وتضمنته عتبة الاستهلال التي ارتكز عليها السارد في الحكي؛ ومن ثم نعاين واقعا ملتبسا في النص، وهذا الواقع يعزز من صيرورة العلامات في فعل الحكي، وتحولاته الممكنة.

ثانيا: الأطياف كنماذج فاعلة في المخيلة:

لقد تطور طيف سارة في النص من الموت الافتراضي إلى التحول في عوالم كابوسية في وعي، ولاوعي شخصية فريد؛ فالطيف هنا نموذج أدبي تدميري ينبع من شخصيات الفن، والنماذج الأسطورية الشبيهة؛ وهو يؤكد ما يذهب إليه الناقد نورثروب فراي من أن هناك صورا جحيمية، تولد من عوالم الكوابيس، والألم، والعبودية، والاضطراب، ومن الخرائب، والمقابر؛ وهي تقع فيما قبل الرغبة البشرية؛ ويمثل لها بجحيم دانتي، ولا مخرج لسارتر.

(راجع، نورثروب فراي، تشريح النقد، ت: د. محمد عصفور، الجامعة الأردنية بعمان، 1991، ص 185، و 186).

لقد ولدت سارة الأخرى من بنى الانتقام، ونماذجه اللاواعية المتعلقة بالعقاب التكراري الذي يذكرنا بعقاب برومثيوس مثلا في الأسطورة الإغريقية؛ فهي تحول النهايات في اتجاه مضاد، وتولد من عوالم أدبية لها فاعلية خفية في واقع البطل، والسارد معا، دون تأكيد مطلق لهذه الفاعلية، وإن كان ارتباطها بالصور الجحيمية وثيقا؛ وهو ما يؤكد حضور هذه الصور، واستعادتها في ذلك العالم الفانتازي المرعب.

ثالثا: العلامة وتحولها الرمزي الداخلي:

هل يصير ذلك الطيف الآخر وسيطا رمزيا يتعلق بالعالم اللاواعي لشخصية فريد؟ إن شخصية سارة تقع بين الداخل والخارج؛ ومن ثم فقد تكون مرتبطة بنوازع الهو أو الأنا الأعلى داخل شخصية فريد، وقد تكون تمثيلا رمزيا لغريزة الموت طبقا لتعبير فرويد، وقد تشبه رسالة بو عند جاك لاكان كوسيط داخلي لاواع مؤجل.

إن سارة تحتل وعي ولاوعي المؤلف، وقد تنبع منهما، ثم تمارس استبدالا لهذا العالم الداخلي نفسه، أو للموت، أو لذاتية الشخصية نفسها التي صارت شبيها بوسيط سارة الرمزي الخيالي للرغبة في النص.

رابعا: الصورة، وفاعلية العوالم الافتراضية:

للصورة فاعلية تستبق الموت في رواية روح غاضبة لأحمد حسن؛ وهو مايدل على فاعلية الافتراضي الثقافية في الواقع؛ فالكاتب البطل يقع فريسة لبطلة نصه في إشارات الراوي  المتكررة، والتي توحي بقوة الافتراضي في الواقع الحضاري الراهن؛ وهو ما يؤكد رؤى بودريار حول تحولات الصورة، وأسبقيتها الراهنة؛ وتعزز إشارات الراوي إلى فاعلية الصور، وولوجها لوقائع الشخصيات، وتهديدها الفانتازي لحضورهم الاجتماعي أحيانا، وتفكيكها لبنى الواقع المركزية، ولموت الشخصيات بالمفهوم التقليدي أيضا.

وتتسم خطابات الشخصيات الفنية في رواية أحمد حسن بالتعددية؛ فخطاب أماني يؤكد احتمالية حقيقة الشبح، وعدم اكتمالها، أو أنه خيال يريد أن يحقق فريد شهرة من خلاله؛ أما فايزة فيرتكز خطابها على نوازع الأمومة باتجاه فريد، ونزوعها لذكرياتها الشخصية، والانطباعات التفسيرية التي ترجح أن فريد وقع فريسة لخياله، أو فريسة لشائعات منافسيه؛ أما خطاب الطبيب فقد ارتكز على التفسير المسبق بأنها قد تكون نوعا من الهلاوس، واتجه خطاب السارد إلى استبطان وعي فريد وتصوير الشبح ممزوجا بخطوط الدماء، ويحمل دمية، وأن وجهها فيه موت، ونضارة؛ وهو ما يؤكد ما نراه من النزوع المتناقض النيتشوي للشخصية، والذي يجمع بين الموت، والخصوبة التي تتجلى في وسيط الدمية الرمزي، وكذلك بين الموت، وتكرار نموذج الولادة في النص.

                                                       د. محمد سمير عبد السلام – مصر

                                                                 ناقد أدبي وفني

 


 

 

إنتاجية الذات، والآخر .. قراءة لديوان "رجل، وامرأته، كوكب" لعلي الدمشاوي، ونسيمة بوصلاح .. د. محمد سمير عبد السلام

  إنتاجية الذات، والآخر .. قراءة لديوان "رجل، وامرأته، كوكب" لعلي الدمشاوي، ونسيمة بوصلاح                                       ...